• المعنویة فی حیاة الانسان
  • إنّ عصرنا الراهن یُعد من أخطر العصور التی شاهدتها البشریة فی تاریخها، فقد نکون معاصرین لمرحلة مصیریة فی مسیرة البشریة نحو التکامل، وخصوصاً وان البشریة فی تطر تصاعدی مستر، نظراً لارتباطها بنظام الکون الذی یسیر نحو التکامل باستمرار.
    [إن البشریة بصفتها جزءاً من الکون، تکون محکومة بطبیعة الحال، للقوانین الکونیة، التی تقوم بتطویرها بشکل موضوعی مستقل عن إرادة البشر].( )
    فقد طوت البشریة فی مسیرتها نحو التکامل مراحل عدیدة قد تخللتها اخفاقات حادة وتوترات خطرة فی علاقتها مع المعنویة العقائدیة والأخلاقیة جربت فیها الحضارات الإنسانیة شتى أنواع الأفکار والمدارس والمذاهب التی اتسمت بالافراط فی تناول المسائل الروحیة والمعنویة أحیاناً، وبالتفریط فیها أحیاناً أخرى.
    حتى وصلت إلى المرحلة التی أخذ فیها الإنسان على مستوى الفرد والمجتمع یبحث عن منهاج وقانون شامل یضمن الموازنة والاعتدال بین المادیات والمعنویات.
    وقد نکون إبطالاً لمرحلة حاسمة فی هذا البحث عن التکامل، لما نحمله فترتنا الزمنیة من أرهاصات کبیرة تبشر بحلول مرحلة جدیدة من علاقة البشریة مع المعنویة العقائدیة والأخلاقیة تمتاز بالمصالحة والمعادلة ما بین الروح والجسد..
    وخصوصاً وان جمیع الحضارات الإنسانیة قد اتخذت من المبادئ المعنویة ذرائع قد استغلتها لأجل الوصول إلى أهدافها ومتبقیاتها.
    فلم تقم للحضارات البشریة قائمة إلاّ بفضل تشبثها بالمبادئ العقائدیة والأخلاقیة وشعارات التکالم، ولو بشکل جزئی مقتصر على المظاهر والدعایة فقط.
    فحتى أعتى الطغاة والمتجبرین من أمثال فرعون، قد صاغوا بعض المبدئ والمثل المعنویة وأقنعوا الناس انهم بصدد تحقیقها.
    کذلک المشرکین والمجسمین الذین عمدوا إلى تجسیم الإله والمعبود وأفرطوا فی المادیة، نراهم یسوقون مبادئ معنویة لتبریر انحرافهم نحو المادیة، فیقولون.. (انما نعبدهم لیقربونا إلى الله زلفى).
    حتى الحضارة المارکسیة المادیة نراها تشبثت بمبادئ معنویة، أخلاقیة جمیلة کمبدأ العدل والمساواة والحریة، والمستقبل السعید للبشریة، وغیرها من شعارات قد أغرت البشریة بواسطتها وضللتها لفترة طویلة.
    وقد شهدت البشریة ومنذ القرون الأولى نشوء مدارس وأفکار ومذاهب معنویة قد کرست اهتماماتها فی الجوانب العقائدیة والأخلاقیة من حیاة البشر.
    فقد سجل لنا التاریخ منذ آلاف السنین ظهور فلسفات بشریة تناول أصحابها مواضع معنویة صرف فی الحیاة.
    من أمثال (أفلاطون) الفلیلسوف الیونانی الذی ولد عام (427) قبل المیلاد تقریباً، و (أرسطو) الذی ولد فی (384) قبل المیلاد، وابیقور، الیونانی کذلک حیث ولد فی (341) قبل المیلاد فی أثینا.( )
    ونحن إذ نبحث فی موضوع أهمیة المعنویة وضرورتها فی حیاة البشریة لأجل الوقوف على المفاصل المهمة فی ارتباط الإنسان مع المعنویة، نج انه من الأنسب البحث فیها على الصعیدین: العقائدی، والأخلاقی... ومن الله التوفیق.

  • الفصل الأوّل - مباحث تمهیدیة
    لا یخفى على أی عاقل یتمتع ولو بجزء بسیط من الوعی والإدراک، حقیقة الإنسان المتکوننة من مزیج من مادة ومعنى.
    فقد مثل جسده ـ المادة ـ بما تضعنه من أجهزة أعضاء وأنسجة وخلایا متکونة من نفس مکونات هذه الأرض من عناصر ومرکبات مادیة، کذلک فان روحه ـ بما تشتمل علیه من مشاعر وعواطف وأحاسیس تمثل الحقائق المعنویة التی لا یمکن المدرکات الإنسان الحسیة أن تدرکها، ولو استعان بالأجهزة المُجهِّزة والعدسات المکبرة.
    فحقیقة هذا الإنسان ذات شقین: مادی، ومعنوی، وخاضعاً وفی الواقع فان الشق المادی انما واقع تحت تأثیر الشق المعنوی ولسلطته المباشرة.
    فالمحرک الواقعی والمهیمن الحقیقی والمحدد الرئیسی لهویة وشخصیة الإنسان هو لیس هذا الجسد الینی، بل هو روحه وعقله ومیوله العاطفیة والوحدانیة کما وان القضیة الثابتة والحقیقة الحلیة للجمیع: هو کون شخصیة الإنسان وجوهرة یحددها شیئتان:
    ففی المرتبة الأولى: المعتقدات الثابتة فی عقله، والمبادئ الرساخة فی قلبه.
    وفی المرتبة الثانیة: ما تترجمه أفعاله وسلوکیاته على أرض الواقع من هذه المعتقدات والمبادئ.
    أ ـ المبحث الأوّل: المعتقدات
    تبین مما قدمنا ان علاقة الإنسان بالمسائل المعنویة وارتباطه بالمعنویات وأهمیتها فی حیاته تتجلى على صعیدین.
    الصعید العقائدی.
    الصعید الأخلاقی.
    1- المعتقدات الإنسانیة
    لقد تمیز الإنسان عن سائر الکائنات الأخرى بالعلم، والعلوم فی الحقیقة هی نور یقذفه الله فی القلوب السلیمة والذوات الطاهرة من البشر.
    وان أشرف وأقدس العلوم هی تلک التی ترقى بالإنسان بالإنسان إلى حیث الارتباط بالمطلق. وما تلک إلاّ علوم العقائد.
    (وإن العلوم التجریبیة ومایجری فی مختبرات العلم فی الغرب المعاصر، لیس علم مطلق؛ بل ان هذا النوع من العلم المتمثل بالتجربة الحسیة والاستدلالات العقلیة ما هی الأنوع من أنواع المعرفة، لأنه لا یتعدى حدود الفرضیة والضمن).( ) وان الضن لا یغنی عن الحق شیئاً.
    وکما هو واضح فان الفرضیات لا یمکن اعتمادها فی الأساسیات المعنیوة للعلوم والأخلاق والعقائد الإنسانیة.
    فالعقائد والأخلاق متمیزتاً عن سائر العلوم بعدم ارتباطهما بالمادة التی هی دائماً فی حالة تغیر وعدم ثبات. بل هما ـ وخصوصاً العقائد ـ مرتبطة بالمعنویات وما وراء الطبیعة... وعلى ضوء ما تقدم یمکننا تعریف العقائد على أنها.
    کل ما یختلج فی ضمیر الإنسان من مبادئ تمثل الخطوط العریضة لعلاقة الإنسان بما وراء الطبیعة. وه معانی تربطه بالغیب والمیتافیزیقیا.
    وان هذا النوع من العلوم یمثل الجانب الأقدس من المبادئ المعنویة، فقد شکلت المعتقدات الهاجس الأکثر حساسیة فی وجدان الإنسان وعواطفه، إذ یکون على استعداد وجوزیة تأمین لأجل الدفاع عن هذا النوع من المبادئ وخوض غمار الحروب لأجل الزود عنها.
    2- أهمیة العقیدة فی حیاة الإنسان
    إن الإنسان بسبب حقیقته المعنویة وارتباطه بالروحیات والقدسیة، لا یمکنه الانفصال عن المبادئ المعنویة العقائدیة والأخلاقیة، بل ان مجبول بالفطرة على أشیاء تربطه بالمطلق المتعالی. فتلخص بما یلی:
    1 ـ فان روح الاستطلاع: واستکشاف الحقائق تدعو الإنسان للسعی من سبیل معرفة الکون واستکناه الوجود.
    2 ـ کما ان حب الخیر والنزوع إلى البر والمیل الفطری نحو النظام والصلاح یدعو الإنسان إلى معرفة مصدر الخبر وملهم الصلاح.
    3 ـ وفطرة حب الجال والسعی للکمال المغروزة فی الإنسان، وطموحه اللامحدود فی إدرا قیم الجمال ونالکمال لا یشبعها إلاّ العودة إلى مصدر الجمال والکمال وه الخالق العظیم.
    4 ـ والأهم من کل ذلک فطرة التدین والبحث عن المعشوق المطلق الموجودة فی الإنسان.
    کما ان هذا البعد الرابع قد اکتشفته علماء النفس فی العصر الأخیر وأیدوه بالاختبارات المتنوعة.( )
    3- الفاصئل والعلوم الطبیعیة
    یقول الدکتور البرک ماکوب وتشتتر ـ المتخصص فی علم الأحیاء... بل ان انشغالی بالعلوم قد دعم إیمانی بالله حتى صار أشد قوة وأمتن أساساً مما کان علیه من قبل.( )
    کما ان الإنسان المتمتع بالمنطق السلیم یجد فی العقائد والإیمان بالله وصفاته جواباً لکل ما یطرحه المنطق من أسئلة حول خالق الکون وباعث هذا النظام والتناغم الجمیل والبدیع فی الکائنات... .
    یقول الأستاذ رسل لویل ـ المتخصص فی علم الحیوان:
    إن المنطق السلیم یدفعنا إلى التسلیم، بوجود عقل مقدس هو الذی خلق ودبر تلک الاختلافات والاتفاقات التی تتحدث عنها، انه إله الکتب المقدسة الذی تتجلى آیادیه فی الجبال والسماء والبحار، وتتجلى قدرته فی المراعی النظرة والطیور السابحة فی جو الأرض وسائر الکائنات.( )
    فکلما زاد فهم الإنسان وإدراکه لما حوله من مظاهر الوجود والطبیعة وکلما تعمق فی فهم نفسه وحقیقته کلما زادت قناعاته فی البحث عن خالقه وموجده وکلما زادته علاقته بالروحیات وعلم العقائد والتدین.
    المبحث الثانی - المعنویة العملیة ـ التطبیقیة
    لقد أثبتت الروحیات والمعنویة حضورها فی فکر ومعتقدات الإنسان وفرضت وجودها بقوة من مبادئه.
    وقد تجلت هذه المبادئ والمعتقدات المعنویة فی سلوک الإنسان بوضوح أیضاً عن طریق الأخلاقیات.
    فالإنسان السوی دائماً یبحث عن الاتزان والاستقامة فی فکره وعمله وهو مجبول على النظام بالفطرة، إذ انه یحاول دائماً الوصول إلى أفضل النتائج: ذلک ان للإنسان حقیقة روحیة تربطه بالقدسیة ـ والمعنویة ـ ولا یمکنه تجاو ما غرز فیه من فرائز تدفعه نحو الخیر والصلاح. وما أُلهم من مبادئ معنویة وأخلاقیة... وقد تجلت هذه المبادئ المعنویة من خلال أهم وأبرز صفة تمیز إنسانیة الإنسان وتفرزه عن سائر الکائنات إلاّ وهی الأخلاق الحسنة والفضائل... .
    1 ـ أفعال وسلوک الإنسان
    إن للإنسان نوعان من الأفعال والسلوکیات.
    فنوع غریزی یشترک به مع سائر الموجودات الحیة. کالسعی للبقاء على قید الحیاة، والحفاظ على النسل والبقاء. وکل ما ینطلق من مبادئ حسیة مادیة، وتندرج ضمن هذا السلوک. أعمال الإنسان المادیة کالوظیفة وکل عمل له طابع المنفعة المادیة ویخضع لقوانین الفوائد الحسدیة والربح والخسارة المادیة.
    وهناک نوع آخر من الأفعال یقوم به الإنسان انطلاقاً من مبادئ الروح والوجدان التی تمیز بها عن سائر الکائنات الحیة کحب عمل الخیر والقیام بأعمال البر للآخرین والإیثار والإحسان.
    إذ ان هنالک قوانین للسلوک تتبعها الحیوانات التی هی دون الإنسان ولا تجد عنها محیدا، ویدل تاریخ الإنسان على ان سلوکه یخضع للقانون الطبیعی الذی تخضع له الحیوانات.
    لکنه یتأثر فوق ذلک بعوامل أخرى إضافیة، فمن ذلک أوّلاً: شعوره بالرهبة من الجهول، ومن ذلک ثانیاً شعوره بالإثم أو بالواجب (الضمیر)،( ) ومن ذلک ثالثاً، الحکم بأن القوة التی تسبب الرهبة وتسنکر الأعمال، أو القرارات التی تسبب عنها الشعور بالألم.( )
    وبالإضافة إلى ذلک فان أعمال الإنسان تمیزت بأنها نابعة عن إرادة ووعی، کما انه امتاز بالحریة فی اختیار الأفعال.
    امتاز الإنسان بدرجة أکبر من حریة الاختیار لأنه یلاحظ إلى سلسلة من الأسباب تبدأ من العلم بالمادیات إلى الحیوانات الدنیا، ثم تنتهی إلى الحیوانات العلیا التی یقع الإنسان فی فمها... فازدادت سیطرة الإنسان على بیته ونفسه.( )
    کما ان الإنسان تمیز بقوى عقلیة عن سائر الکائنات الطبیعیة وهما قوة (الإدراک والشعور والإرادة).( )
    وان مصدر هذه القوى هو الحقیقة الروحیة التی تربط الإنسان بالعقیدیة یقول القدسی بول:
    (إن للإنسان نشأه مقدسة).( )
    وهذ النشأة المقدسة هی التی تمیزه عن سار الکائنات الطبیعة، وهی التی تدفعه إلى القیام بالنوع الثانی من الأعمال وهی الأخلاق الحسنة والفضائل. وهی أفعال ناشئة عن مبدأ ومیل لا ربط له بشخصیة الفاعل (العاطفة)، فالعقل الأخلاقی هو المفترق للانا ـ الشخصیة ـ ودائرته أکبر من المشاعر والفارئز زوالمیول ـ فالأخلاق أعم من العاطفة والمحبة.
    2 ـ حقیقة الأخلاق
    الأخلاق کما ذکرنا نوعاً من أفعال الإنسان وهی: ما ثبت من أفعاله وسلوکیاته وتکرر، بحیث أصبح جزءاً من شخصیته العملیة، وهی تلک الأعمال التی دأب الإنسان على الإتیان بها حتى صارت ملکه فتطبع بها وتطبعت به، ولیس من السهل سلبهامنه وصرفه عنها.
    فالأخلاق هی ملکة نفسانیة تؤدی بالإنسان ان یقوم بأفعال وأشیاء بسهولة وبون حاجة إلى تفکیر وتأمل.( )
    فالأخلاق سلوک یعکس الجانب المعنوی للإنسان ویظهر حقیقته الباطنیة ویجسد مفاهیمه ومبادئه المعنویة التی فی ذهنه إذ إن الإنسان یقدم على هذا النوع من الأفعال انطلاقاً من ضمیره ووجدانه، لا ینتظر علیها أجراً مادیاً ولا یقیم علهیا محسابات الربح والفائدة، على عکس الفعل الطبیعی الذی ینشأ من الانا ویکون محاط بدائرة الذات. فهی تنطلق من وجدانه، فإذا کان الإنسان یحمل بین جنبیه وجداناً حیاً وقلباً سلیماً فانه لا یبدر منه إلاّ الطیب من الأفعال، والحسن من الأخلاق، ویتطبع بطابع الخلق الحسن والملکة الطبیة.
    3 ـ منشأ الأخلاق الحسنة
    کما إن الأخلاق لا تصدر وفقاً للعقل النظری ومقتضیات الجسد بل ان مصدرها الوحید الوجدان فالوجان نعمة أنعمها الخالق المتعال على الإنسان... یقول الشیخ المظفر إن الله تعالى خلق فی قلب الإنسان حساً وجعله حجة علیه یدرک به محاسن الأفعال ومقابحها وذلک الحس هو الضمیر ـ بمصطلح علم الأخلاق الحدیث ـ وقد یسمى بالقلب، أو العقل العملی أو العقل المستقیم أو الحس السلیم عنت قدماء علماء الأخلاق.( )
    وقد عرف الشیخ الشهید مرتضى المطهری الوجدان على أنها:
    «عبارة عن الإلهامات. فهی قوة غرسها الله تعالى فی باطن الإنسان»( )
    ولا تکون الأفعال الصادرة من الإنسان أخلاقاً إذا کانت خاصفة الاعتبارات ضرفیة ووقتیة أو صادرة من مقتضیات الانا والمنافع الشخصیة فمثلاً یکون الإنسان کریماً ویمارس فعل الکرم والجود ما زال هنا الفعل یدر علیه منافع تتناسب مع أهداف ضیقة لا تتعدى حدود الدنیا والمصالح الوقتیة وإلاّ فیه، ثم یتمول إلى شخص عندما لا یتناغم الکرم مع مطامعه سجب الظهور ورئاء الناس.
    کما لا تکون الأفعال الحسنة أخلاقاً إذا صاحبها الافراط أو التفریط. فمثلاً المتهور لا یسمى فعله وإقدامه شجاعة عندما یرافقها التهور، کذلک لا یون البذل والعطاء خلقاْ محموداً ولا یسمى سخاءاً إذا رافقه السفه والاسراف.
    3 ـ منشأ الأخلاق الحسنة
    إذن فالأخلاق الحسنة هی ملکة وجدانیة منشأها روحانی لطیف نابع من الروح الملکوتیة للإنسان وتسمو بصاحبها من الطبعیة المادیة ـ الیوانیة ـ غلى عالم فسیح یذخر بالمعنویات. ذلک ان للإنسان حقیقتان ـ مادیة، وروحیة ـ یقول الشیخ الشهید المطهری:
    «إن للنفس البشریة رکنان: فرکن قائم على حقیقة غرائزیة حیوانیة ـ تکون سرابیة ولیست واقعیة ـ ورکن آخر قائم على أساس الحقیقة الملکوتیة الورحیة ـ وتکون حقیقة واقعیة»( )
    وکما یقول القدیس بول «إن للإنسان منشأة مقدسة».( )
    فالأخلاق الحسنة والفضائل الخلقیة هی أعمال صادرة عن الرکن الملکوتی الروحانی.
    «فإن الطبیعة الحیوانیة للإنسان لا تسعى وراء الخیرات المعنویة، بل الساعی إلیها حثیثاً هی الحقیقة الملکوتیة».( )
    والأخلاق تتمیز بأنها صادرةع وعی وإدراک وإرادة هذه القوى التی تمیز بها الإنسان ع سائر الکائنات الطبیعیة الأخرى ـ کما أسلغنا ـ فبالإرادة الخیرة تترجم الأخلاق الحسنة على أرض الواقع ومنها تصدر فالإرادة الأخلاقیة للإنسان هی تعبیر عن نفسه الواقعیة الأصلیة وتجلی لحقیقته القائمة على الرکن الروحانی الملکوتی.
    وتختفی هذه الإرادة الخیرة عندما یفقد الإنسان إنسانیة وذلک عندما ینبع الهوى والشهوات ویکون عباً مطبعاً للغرائز والنزوات إذ ان الشهوة المفرطة والفضیلة من صراع مستمر.( )
    یقول الشیخ الشهید المطهری:
    «هناک صراع بین العقل والنفس، أو بین الإرادة الاأخلاقیة وهوى النفس)).( )
    فمتى انتصر العقل والإرادة الأخلاقیة والنزعة الورحانیة ـ المعنویة ـ للإنسان على الجانب الحیوانی الغریزی ـ تمتع الإنسان حینئذٍ بالمعنویة الأخلاقیة والفضائل الأخلاقیة.
    4 ـ ارتباط الأخلاق بالمعنویة والعقائد
    إن الأخلاق الحسنة والفضائل تقرب الإنسان من الکامل المطلق مصدر الکمال من خلال تدعیم الرکمن الروحانی من النفس الإنسانیة.
    یقول: (لقد أقنعنی التفکیر والتاریخ ان أهمیة القیم الروحیة والأخلاقیة بالنسبة للإنسان ترجع إلى عقیدته أو عدم عقیدته فی وجود شخصیة مقدسة تمثل الکمال المقدس وتوجه سلوک الإنسان).( )
    (فالأخلاق شأنها شأن سائر المبادئ المعنویة العقائدیة. فإن قاعدتها الوجدان من جهة ان قلب الإسان یلهم الإنسان تلک الأخلاق. وضمیر الإنسان یدرکها من جراء معرفة لله سبحانه بسبب الفطرة... فلوجدان الإنسان اتصال بعالم الخالق).( )
    فهی الأخلاق مرتبطة ارتباط وثیق بمعتقدات الإنسان. وهی تجسد لما فی وجدان الإنسان من مبادئ معنویة.
    یقول الشیخ الشهید المطهری:
    «الأخلاق تعتبر ممراً إلى عالم المعنى ومعبراً إلى عالم المعنویات فی حیاة الإنسان، أنها منفذ یتعرف الإنسان من خلاله على عالم المعنویات ویدخل إلى عالم الدین».( )
    (یقول ولیام جمیز: إن الغرائز المادیة تشدنا إلىالماة وتربطنا بها، وتعتبر قنوات اتصال لا غنى عنها بین الإنسان والعالم المادی، کذلک توجد غرائز فطریة تشدنا نحو عالم آخر غیر المادة، توصلنا إلى ما وراء الطبیعة وتشجع الفضول المعنوی).( )
    وما هذه الغرائز إلاّ حوافز تدعوا الإنسان إلى التعرف على الخالق المتعال مصدر الکمال والمجال المطلقین وتدفعه ـ الإنسان ـ إلى نیل رضاه والتقرب منه بالأخلاق الحسنة والفضائل الأخلاقیة.
    الفصل الثانی - الإنسان والمعنویة
    الحقیقة التی لا یمکن الشک فیها والواقع الذی لا یمکن إنکاره هو الجانب الروحی والمعنوی من وجود الإنسان.
    فمن یحاول إنکار الجانب المعنوی والروحی فانه ینکر بذلک حقیقة وجوده وإنسانیته.
    فمن البداهة معرفة إن الإنسان کائن حی ولیس من الجمادات وإن الروح هی مصدر هذه الحیاة، وانه کائن عاقل ناطق لیس کسائر الکائنات الحیة من الحیوانات.
    کما انه موجود یفهم بالمشاعر والعواطف والأحاسیس فهو لیس کالآلات أو الروبوتات. وانه یتمتع بقلب ووجدان یحب ویکره ویبغض ویعشق.
    وإن هذه الحقیقة المعنویة ثابتة للإنسان عقلاً ومنطقاً. وقد تجلت للعقل البشری الحدیث بوضوح.
    فبتکامل الإدراک والوعی البشری للوجود تتکامل النظرة وتتضح الرؤیة المعنویة. إذ یتجلى إیمان الناس بالغیب والمعنویات من خلال تسلیم الکثیر منهم تسلیماً منطقیاً بوجود الغایة أو الحکمة من وراء الظواهر الطبیعیة.
    ویسلم کثیراً من الناس تسلیماً منطقیاً بوجود الغایة أو الحکمة من وراء الظواهر الطبیعیة (المادیة).( )
    وقد ادعى التطور الهائل للعلوم الطبیعیة والإأنسانیة ـ النفسیة والاجتماعیة ـ إلى الاعتراف والإذعان والتسلیم للحقائق المعنویة ـ والغیبیة ـ فی الکون بصورة عامة وللجانب المعنوی الروحی فی الإنسان بصورة خاصة.
    الوجود المادی، والوجود المعنوی
    یقول العالم الکمیائی ـ جون کلیفلاند کوثران:
    توجد ثلاث عوالم من الحقائق:
    ـ العالم المادی.
    ـ العالم الفکری.
    ـ العالم الروحی.( )
    وهذه الحقائق هی التی تشکلت منها حقیقة وشخصیة الإنسان فالعالم المادی: هو کل ما فی هذا الکون من وجودات (مادیة) لها کتلة وتشغل حیزاً فی الفراغ.
    أما العالمان (الفکری، والروحی) فهما ینتمیان لحقیة أخرى مقابلة لتلک الحقیقة المادیة ولها ثقلها ووزنها فی الوجود ـ إلاّ وهی الحقیقة المعنویة. وفی الواقع ان الجانب المعنوی من (غیب ومیتافیزیقیا)، و (روح وعواطف) هو المحرک والمهیمن على الحقیقة والوجود المادی. ذلک ان المادة متغیرة ودائماً فی حالة حرکة وتطور، وإن هذا التطور یشمل کل ما فی الوجود من موجودات مادیة. بما فیها جسم الإنسان.
    یقول المستشار الهندسی کلود م. هاوناوای / مصمم العقل الالکترونی «إن هذا الکون لیس إلاّ کتلة تخضع لنظام معین. ولابدّ له إذن من سبب أول.. ولابدّ أن یکون هذا السبب الأول غیر مادی فی طبیعته».( )
    فأن تأثیر الغیب وما رواء الطبیعة واضح وجلی فی الون کما هو واضح وجلی فی عالم الإنسان ووجوده.
    فإن الجانب المعنوی المهیمن والمسیطر لا یعتریه الفناء ولا الزوال.
    (والعالم مسبب فی وجوده ونظامه عما وراء الطبیعة. ولولا سیطرة العالم الآخر ـ المعنوی ـ لانقطع الارتباط القائم بین ماضی، وسمتقبل هذا العالم المفهم بالتغییرات).( )
    وهذا المعنى ینطبق على وجود الإنسان أیضاً باعتباره ینتمی لهذه المنظومة الکونیة.. وتجری علیه قوانین التغیر المادی کسائر الوجودات المادیة... .
    حقیقة الإنسان
    فالإنسان کائن حی یجمع فی حقیقته هذه العوالم الثلاثة التی توصل إلیها عالم الکیمیاء: (العالم المادی، العالم الفکری، العالم الروحی).
    فقد تضمن کیان الإنسان کل من الجانبین: المادی، والمعنوی یقول الدکتور محمد حسن آموزگار:
    الإنسان موجود معقد فهو من جهة موجود مادی طینی، وانه کذلک له بعد إلهی.( )
    وقد مثل جسمه الجانب المادی بما تضمنه من أجهزة وأعضاء قد تشکلت خلایاها من نفس العناصر والمواد التی تشکلت منها هذه الأرض وبشتى حالات المادة من صلبه وسائلة وغازیة.
    ومثلت روحه الجانب المعنوی بما اشتملت علیه من عواطف ومشاعر وأفکار ومبادئ وأحاسیس.
    یقول الشهید السید محمد باقر الصدر&
    الجسم قطعةمن المادة، له خصائصها، من ثقل وکتلة، وشکل، وجسم، وهو یخضع لقوانین الفیزیاء، وأما العقل أو الروح. فهو موجود غیر مادی ینتسب إلى عالم وراء عالم المادة کما ان للإنسان وجودین وذاتین:
    فذات حیوانیة، وذات إنسانیة.( )
    فالذات لاحیوانیة هی التی یشترک بها الإنسان مع سائر الحیوانات الأخرى. والتی تمثل الجانب المادی ـ الجسم ـ وإن اختلف ظاهریاً إلاّ أن هناک تقارب فی الأعضاء والأجهزة الداخلیة للإنسان مع بعض أصناف الثدییات.
    وبالرغم م الحقیقة الحیوانیة للإنسان ولوازمها ومقتضیاتها وحاجاتها لکن قیمة الإنسان وحقیقة تحددها لاذات الإنسانیة.
    فالذات الحیوانیة موجود طفیلی فی واقع الإنسان.. فالإنسان لم یأتی للعالم کی یعیش على ظهر الأرض ـ حیواناً ـ لکن جاء لکی یستغل حیاته الحیوانیة لأجل تکمیل الحیاة الإنسانیة.( )
    فالإنسان یتمتع بقوى وقدرات تمکنه من إارة شؤون الحیاة وتدبیر الأمور. أذانه بالإضافة غلى القدرات المادیة الجسدیة التی اکتسبها بطبیعته المادیة الطبیعیة، فانه یتمتع بقدرات عقلیة وروحیة ونفسیة تصنع منه خلیفة حقیقی لله على هذه الأرض لیدیرها بجداره.
    یقول د. محمد حسن آموزگار:
    إن أقوى نشاط یبرزه العقل یظهر من خلال عملیات مثل: إصدار الحکم، الاستدلال، المقارنة، الترتیب، الاستنتاج، الکشف، الإبداع لهما وهناک قوى أخرى تتدخل فی تشکیل شخصیة الإنسان المعنویة، وتبرز صفاته العملیة.( )
    ولا یمکن للإنسان أن ینهض بهذه الوظیفة وأاء الخلافة لله على هذه الأرض حقها إلاّ بعد ان یتعرف على نفسه.
    (توجد فی الإنسان روح إلهیة قد امتزجت بها وتجلت بها أسماء الله. لذا فإن للإنسان قابلیة للسمو والتعالی. وهذه القابلیة تتوقف بالضرورة على همته وإرادته. ویجب علیه أولاً أن یتعرف على نفسه لیقوم ببناءها وتطویرها).( )
    فإن ما یمیز الإنسان وما یشرفه على سائر الکائنات الأخرى هی الحقیقة العقلیة والورحیة والعاطفیة التی تتلخص بـ (الحیاة المعنویة) والورح والوجدان یقول الشیخ الشهید العلامة مرتضى المطهری.
    إن روح الإنسان عالم عجیب...، وهی متنوعة الاستعدادات ومختلفة القابلیات... فللإنسان قوى وقابلیات أخرى بالإضافة إلى القوى المادیة العضویة.. فهناک قوى عقلیة، وقوى روحیة ونفسیة.( )
    فـ (إن للإنسان بالإضافة إلى الحواس الظاهریة، حواساً باطنیة یتمکن بواسطتها أن یدرک بعض الحقائق مباشرة).( )
    وهی ما یطلق علیه عرفاً بـ (الحاسة السادسة).
    علاقة الوجود المادی بالوجود المعنوی للإنسان
    یقول الشهید السید محمد باقر الصدر&
    (الجسم قطعة من المادة له خصائصها من ثقل وکتلة وشکل وجمم، وهو یخضع لقوانین الفیزیاء، وأما العقل أو الروح، فهو موجود غیر مادی ینتسب إلى عالم وراء عالم المادة).( )
    ولکن بالرغم من هذا الفارق وهذه الهوه الفاصلة، فإن العلاقة بین الروح التی تمثل الجانب المعنوی، والجسم الذی یمثل الجانب المادی ـ وثیقة ـ نابعة من علاقة الطبعة بما وراءها ـ فلقد أثبت الفلسفة إن لما وراء الطبیعة (المعنویات أثر واضح على الطبیعة والمادة.
    (فإن هذه العالم مسبب فی وجوده ونظامه عما وراء الطبیعة).( )
    فالروح هی موجود معنوی غیر خاضع لقوانین المادة والطبیعة ولا تتغیر ولا تطرأ علهیا تغیرات المادة.
    وعلاقة الجسم بالروح ـ الوجود المادی للإنسان مع الوجود المعنوی ـ قد صاغ التفسیر الأکمل لها الفیلسوف الإسلامی الکبیر (صدر المتألهین الشیرازی)، حیث انه أکشف... .
    إنّ للمادة حرکة جوهریة، هی الرصید الأعمق لکل الحرکات الطارئة المحسوسة التی تزخر بها الطبیعة والمواد. وهذه الحرکة الجوهریة هی الجسر بین الجسم والورح ـ والمادة والمعنى ـ. وإن المادة فی حرکتها الجوهریة تتکامل فی وجودها وتستمر فی تکاملها حتى تتجرد عن مادیتها ضمن شروط معنیة وتصبح کائن غیر مادی أی کائن روحی. فلیس بین المادی والورحی فاصلة، بل هما درجتان من درجات الوجود والروح، بالرغم من أنها لیست مادیة ذات نسب مادی، لأنها المرحلة العلیا لتکامل المادة فی حرکتها الجوهریة).( )
    وهکذا تتضح علاقة الوجود المادی للإنسان المتمثل بالجسم مع الوجود المعنوی (الروح).
    إذ انه لا یوجد فاصلة ما بین المادة والورح. وان حاول البعض صنع مثل هذه الحدود وهذه الفاصلة.
    وهذه الحقیقة تنفی فکرة المثل الأفلاطونیة التی تنص على وجود النفس البشریة فی عالم (المعنویات) قبل ألأن تحل فی الجسد وعالم (المادیات)، وأنها اکتسبت العلوم عندما کانت من ذلک العالم.
    وهذه النظریة تفندها الحقیقة الفلسفیة للنفس وعلاقتها بالجسم.
    فکما یقول المفکر الکبیر الشهید السید محمد باقر الصدر&.
    فالنفس فی مفهومها الفلسفی العقول، لیس شیئاً موجوداً بصورة مجردة قبل وجود البدن، بل هی نتاج حرکة جوهریة فی المادة، تبدأ النفس بها مادیة متصفة بخصائص المادة وخاضعة لقوانینها، وتصبح بالحرکة، والتکامل وجوداً مجرداً عن المادة، لا یتصف بصفاتها ولا یخضع لقوانینها.( )
    أمانفس الإنسان فهی من تکامل مستمر وفی طریق تکاملها هذا تمر بمراحل. تبدأ أولاً ساذجة بسیطة ثم تدرج بالتکامل حتى تصل إلى أعلى المقامات. ویصل معها إدراک الإنسان ووعیه وأخلاقه وسلوکه إلى الکمال..
    فإن نفس الإنسان فی مرحلة صعود إلى أن تصل إلى مقام الاطمئنان والرضا ثم تصعد إلى أن تصل إلى قاب قوسین أو أدنى.( )
    أما النفس الناسوتیة ـ الإنسانیة الساذجة البسیطة ـ فهی المرحلة الأولى. وتکاملها أمر عائد للإنسان نفسه ومرتبط بهمته فإن أراد لها السمو والتکامل سعى حثیثاً حتى الوصول للدرجات العلیا من الحقائق الإنسانیة ـ ومراتب النفس.
    وإلاّ فإن الإنسان الغافل لن حقیقته عندما یرکن للشهوات ویکون عبداً للغرائز والنزوات فاه فی معرض خطر السقوط والانحطاط وحشران الذات.
    حقیقة النفس الإنسانیة
    یقول آیة الله مهدوی کنی:
    أما النفس النساوتیة فهی تنحدر فی السقوط حتى تصل إلى مرحلة الأنعام ثم تندرج فی الانحدار إلى أن تصل إلى المرلة السفلى ـ أسفل السافلین.( )
    فللنفس البشریة مراحل وکمالات تبدأ بها انطلاقاً من النفس الناسوتیة ـ الحقیقة الإنسانیة الساذجة البسیطة. وهی النفس الفاصلة کحد أدنى بین الإنسان وسائر الحیوانات. وفیها تتجلى قدرة الإنسان على الاختیار. وتتجلى إرادته. وتسمى بالنفس الأمارة:
    ووظیفة وفائدة هذه النفس عند استغلالها بالشکل الحسن تکمن فی تأمین الحاجات الروحیة والمادیة للإنسان.
    وهناک مرحلة أعلى للإنسان ترقى فیها حقیقته الإنسانیة وتتجلى ملامح إنسانیة وتمیزه عن سائر الحیوانات. وهی مرحلة الضمیر ومحاکمة النفس الأمارة ووضع أعمال الإنسان قید التقیم ومسؤولیة النفس البشریة هنا هی إعطاء الأحکام ـ وتسمى هنا النفس ـ بالنفس اللوامة.
    ثم تندرج الحقیقة البشریة فی الصعود والرقی وفق منهج الصلاح حتى تصل إلى مرحلة الاطمئنان والرضا والهدوء والسکینة. إذ تکون راضیة عن نتاجها ویتخلص الإنسان عندها من مرحلة التأنیب واللوم. إذ انه وصل إلى المرحلة التیترضى عنه نفسه فتکافأه بالرضا والاطمئنان. وتسمى عندها النفس بـ (النفس المطمئنة).( )
    ویجب الالتفات إلى أن النفوس الأمارة واللوامة والمطمئنة لیست موجودة بوجودات أربع. وإنما هی نفس واحدة، ولکنها تختلف باختلاف الحالات فنفس کل إنسان قائمة على أربعة أقسام. باعتبار حالاتها، ومسیرتها التکاملیة.( )
    والإنسان الساعی نحو الکمال علیه أن یستثمر هذه الاقات والقوى التی وهبتها له اسحار وإرادة الخالق المتعال لیکتشف نفسه ویدرک حقیقته.
    ذلک، إن الطریق إلى بلوغ الکمال المعنوی یتمثل بمراحل وخطوات متوالیة ومتتابعة یتبع بعضها بعضاً. فلا یمن الوصول إلى مرحلة وإغفال الأخرى.
    فإن السالک فی مسیر المعنویات، لا یمکنه تجاوز مرحلة، أو إغفال خطوة، بعکس من اتخذ مسلک المادیات. فنجد انها تتفرق بسالکیها إلى عدة شعب وتوصلهم إلى نهایات متفرقة.
    ذلک لأن سبیل سراط الحق واحد، وسبل الضلال کثیرة ومتعددة ومتفرقة.
    وإن طریق المعنویات کالسلسلة المترابطة حلقاتها ببعضها. فلا یمکن من وضع قدمه فی خطوة على هذا الطریق إلاّ أن یکمل سیرته حتى النهایة والأخلاقیات والکمالات لا یمکنه الرجوع عنها والانتکاسة. إلاّ فی حالة إذعانه بحتمیة هلاکه.( )
    یقول شیخ الاشراق:
    کل معرفة مستلزمة نوعمن الاشراق، وکل اشراق مستلزم مرتبة من النور کائنه ومنشقة من السلسلة الطولیة أو العرفضیة من الأنوار، وعائدة إلى نور الأنوار، وکل نور مرتبة من نوره. لأن القرآن یقول:
    الله نور السماوات والأرض.( )
    کما أإن هذه القدرة على الکمالات التی أودعها الله فی حقیقة الإنسان المعنویة قد میزت وکرمت الإنسان على سار الموجودات.
    یقول الدکتور (روبرت هورتون کامیرون) ـ الأخصائی فی الریاضیات أنا ... أعتقد بوجود الله، لأننی أمتلک حریة الإرادة التی هی أحد اأقسام الکبرى التی یقسم علماء النفس قوى (العقل) إلیها. القوتان الأخریتان هما الإدرا والإرادة. فأنا وهذه الصفات والمزایا تمیز الإنسان عن سائر الکائنات الأرضیة الأخرى فهو خلیفة الخالق على الأرض. ولعل هذا هو عین ما یعنیه القدیس بول:
    (إن للإنسان نشأة مقدسة).( )
    التناغم بین الجسم والروح
    إن للإنسان نشأة مقدسة، وانه له لحقیقة روحانیة. لا یمکنه تجاهلها ولیس بوسعه تجاوزها. إلاّ إذا أفقد إنسانیة وتخلى عن قیمته فی الموجود. یقول انشتین:
    إن الشخص الذی یعتبر حیاته وحایة غیره من المخلوقات عدیمة المعنى، لیس تعیساً فحسب، ولکنه غیر مؤهل للحیاة.( )
    فبالحیاة المعنویة یتخلص الإنسان من قیود العالم السفلی وقیود العالم الحیوانی.
    فالمقصود من الحیاة المعنویة: الوصول إلى هذه المرحلة من الحیاة بحیث لا تحدها حدود مادیة..) ویتخلص من القیود الفیزیائیة للمادة والجسم( ).. فالإنسان لا یمکنه أن یجد نفسه إلاّ بعودته إلى الحیاة المعنویة.
    یقول ولیامز جمیز:
    توجد غرائز فطریة تشدنا نحو عالم آخر غیر (المادیات) توصلنا إلى ما وراء الطبیعة وتشبع فضولنا المعنوی.( )
    تأشیر المعنویات على الوجود المادی للإنسان ـ الجسم ـ لقد أثبت الأطباء وعلماء النفس إن للجانب المعنوی تأثیر کبیراً جداً وحیوی علىالوجود المادی للإنسان. وان باطن الإنسان ـ ومضیره، وودانه ـ یتحکم فی بقاء الجسد أو فناءه من الوجود، وان المتحکم الرئیسی فی صحة وسقم البدن هو القلب والروح.
    یقول الدکتور مالکولم دتکان ونستر:
    من المعروف ان الالة النفسیة للمریض وموقفه العقلی من هذا المرض یحددان إلى درجة کبیرة مدى تأثره بالمرض( ) وعن دور المعنویات والجوانب الروحیة والعاطفیة فی شفاء الإنسان وبقاءه على قید الحیاة ینقل لنا الدکتور: بول إرنست ادولن:
    عندما کنت أعمل جراحاً فی أحد المستشفیات جاءتنی ذات یوم امرأة عجو مریضة، قد تجاوزت السبعین، تشکو من شدخ فی عظام ردفها وبعد أن خضعفت للعلاج لفترة قصیرة تماثلت للشفاء بسرعة مذهلة حتى صارت وحدها متوکئة على عصاها، وقررنا أن تخرج السیدة فی مدة أربع وعشرین ساعة. فلم یعد بها حاجة للبقاء فی المستشفى. وفی صباح الیوم التالی وبعد زیارة ابنتها لها انتحت بها ابنتها جانباً وأخبرتها أنها قررت بالاتفاق مع زوجها أن یأخذا الأم إلى أحد ملاجئ العجزة لأنهما لا یستطیعان أن یأخذاها إلى المنزل، ولم تکد تمضی بضع ساعات على ذلک... .
    ... حتى استُدعیت على عجل الأسعفا السیدة العجوز. وی لهول ما رأیت... لقد کانت المرأة ـ العجوز ـ تحتضر ـ ولم تمض ساعات قلیلة حتى أسلمت الروح. یقول الدکتور... .
    (انها لم تمن من کسر فی عظام ردفها، ولکنها مات من انکسار فی قلبها)، ویضیف الدکتور قائلاً... .
    لقد وحدت فی أثناء ممارستی للطب أن تسلحی بالنواحی الورحیة إلى جانب المأسی بالمادة العلمیة یمکنانی من معالجة جمیع الأمراض علاجاً یتم بالبرکة الحقیقة.( )
    وهنا یتضع بجلاء، الدور المهم والحیوی للجانب المعنوی والعاطفی فی سرعة شفاء الإنسان من علله (الجدیة والنفسیة)، والأثر الخطر الذی یترکه الانکسار المعنوی على حیاة ووجود الإنسان. [فمعظم القرح المعدیة لا ترجع إلى ما یأکله الناس، وانمنا إلى ما تأکل قلوبهم. ولا بد لعلاج المریض بها من علاج قلبه واحقاده أولاً].( )
    الفصل الثالث - أهمیة المعنویة فی حیاة الإنسان
    إن روح الإنسان، وقلبه ووجدانه، وعقله. تدفعه إلى المعنویة دفعاً. وان العالمان الفکری والروحی له یدعوانه إلى الالتحاف والإذعان للحقیقة المعنویة طوعاً.
    فلا یقر لروح وعقل ووجدان الإنسان قرار، ولا یجد إنسانیة بدون التحلق فی فضاء المعنویات والروح. والارتواء من معیها الصافی عقائداً وإیماناً وأخلاقاً تسمو بالإنسان على الملائکة، وتشبع فضوله المعنوی وتروی عطشه للکمال.
    دور التدین والإیمان فی الحیاة
    لقد شکلت العقائد والإیمان بالغیب وما وراء الطبیعة الحصن الحصین الذی یلجأ إلیه الإنسان ویجد فیه ضالته الفکریة والعلمیة ویهدأ فیه اضطراباته النفسیة. وینظم به حیاته الطبیعیة ـ المادیة ـ والروحیة.
    فالإیمان بمعناه الواسع یعتبر أمراً ضروریاً وجزءاً طبیعیاً بالنسبة لوجود الإنسان، فإن الإیمان بالله یعغد کذلک لازماً لاکتمال وجو الإنسان وتمام فلسفته فی الحیاة.( )
    یقول الأستاذ المصباح الیزدی
    إن کل قیمة إنما تکتسب قیمتها الواقعیة بالإیمان والعقیدة الصحیحة وبدونها لن تکون لها قیمة وجودیة، بل أنها لن تکون عبر الحیاة إلاّ سراباً خادعاً... .
    وفی هذه الحقیقة تکمن فلسفة خلق الإنسان والسر فی بعثة الأنبیاء.( )
    وتتجلى أهمیة الإیمان والتدین فی حیاة الإنسان من خلال أمرین:
    1 ـ اشباع فضوله، وغریزة حب الاستطلاع التی لدیه.
    2 ـ بث الطمأنینة والسکینة فی نفسه.
    الأمر الأول: اشباع فضول الإنسان وحبه للاستطلاع
    لقد امتاز الإنسان بطبیعة حب الاستطلاع التی غُرزت فیه، عن سائر الکائنات الحیة. وهی حاجة لطالما ارّقت فکر الإنسان من خلال بحثه وتساؤلاته عن حکمة الوجود وغایة خلقه ونشأته وإبداعه.
    فمنذ فجر المدیة والإنسان یحاول ان یفهم کنه التغییرات التی تطرء على ما یحیط به من عالم المادیات.( )
    ولطالما دفقت العلوم التجریبیة عاجزة عن تفسیر أبسط الظواهر الطبیعیة عندها یذعن عقل الإنسان للغیب خجلاً وموقناً بان وراء هذا الکون خالقاً ومدبراً.
    یقول الدکتور (مالکولم دتکان وینستر) دکتوراه من الطب من جامعة نهورث وسترن ان الأرض والسماوات بسائر تعقیداتهما، والحیاة فی شتى صورها، وأخیراً الإنسان بکل قدراته العلیا، کل هذا، أشد تعقیداً من ان یتصور الإنسان أنه حدث هکذا وحده بمحض المصادفة.
    فلا بدّ إذن من عقل مسیطر، من إله خالق وراء کل هذا.( )
    کما ان العلوم الطبعیة نفسها تدعوا إلى الإیمان بل والیقین بما وراء الطبیعة والمیتافیزیقیا.
    إن إضافة حلقة میتافیزیقیة جدیدة إلى سلسلة السببة لا تعتبر تعارضاً مع المنطق، فنن نفعل ذلک دائماً فی میادین العلوم وفی شؤون حیاتنا الیومیة.( )
    وبرجوع الإنسان إلى الحقیقة المعنویة وبإیمانه بالله وإذعانه للروح والمعنویات یکتشف أسرار الکون ویدرک فقه الوجود ویستشف الحکمة ویدرک الغایة.
    [... فالحکمة تنص على ان هنالک غرضاً معیناً أو غایة وراء هذا الکون، ولابد لذلک من حکیم ومدبر...( ) إن الإنسان المفکر لابدّ ان یصل ویسلم بوجود إله منظم لهذا الکون، وعندئذٍ تصیر فکرة الإلوهیة إحدى بدیهیات الحیاة].( )
    ... وتفکیر الإنسان بالحکمة والغایة من الخلق والکون یوصل الإنسان إلى الحقیقة التی لا لبس فیها بان عالم المعنویة ـ وما وراء الطبیعة ـ هو المنظم لما نراه ونلمسه ونحسه من عالم المادة والطبیعة.
    ویسلم کثیراً من الناس تسلیماً منطقیاً بوجود الغایة أو الحکمة وراء الظواهر الطبیعة المادیة، ولا شک ان اعتقاد وجو إله خالقه لکل الأشیاء یعطینا تفسیراً بسیطاً سلیماً واضحاً عن النشأة والإبداع، والغرض والحکمة، ویساعد على تفسیر جمیع ما یحدث من الظواهر.( )
    وهکذا فان إیمان الإنسان بالله وإذعانه للمعنویات یؤمن له الجانب المعرفی والفکر لفهم الوجود، ویشبع فضوله وحبه للاستطلاع.
    إن المعتقدات النظریة کثیراً ما تتجلى فائدتها للإنسان وتثبت صحتها وسلامتها عند ممارستها.( )
    ویقول فی هذا المجال أیضاً العالم المتخصص فی الکیمیاء (واین اولت)... وبرغم ان بعض میادین الخبرة الإنسانیة غی رمادی فانها میادین حقیقیة لا شک منها، ویترتب علیها نتائج هامة فی حیاة الإنسان. وقد لمس مئات الآلاف من الرجال ـ والأشخاص ـ الأذکیاء ذوی الشخصیات السلیمة المتزنة نتائج الاتصال بالله والإخلاص من عبادته.
    ولمسوا هذه النتائج فی أنفسهم ـ وکان إیمانهم بالله سبباً فی قضاء حاجاتهم النفسیة، والانفعالیة، والروحیة، بطرق لا تستطیع ان تحیط بها کنه عقولهم، ولا عقول البشر جمیعاً... .( )
    ویقول العلاّمة الشیخ / (جعفر السبحانی) من هذا المجال:
    إن التکامل الفکری إنما یتحقق فی ظل الدین، لأنه یکشف آفاق وسیعة أمام عقله وتفکیره. ( )
    الأمر الثانی - دور المعنویة فی حیاة الإنسان
    2 ـ بث الطمأنینة والسکینة فی نفس الإنسان.
    إن فی الإنسان حاجة ثابتة فی حیاته خلقت معه وظلت ثابتة فی کیانه على الرغم من التطور المستمر فی حیاته.
    وهی السعی للکمال والتخلص من قیود الجسد والغرائز الحیوانیة والتحرر من العالم المادی المحدود. والالتحاق بالمطلق اللامتناهی، الذی لا تحد حدود المادة ولا تقیده مستلزماتها.
    وقد وجد الإنسان ضالته ومبتغى روحه عبر ارتباطه بالسعاء. من خلال الأدیان الإلهیة بما حملته معها من حلوم وجلبته معها من حکمه، وبما وهبته للإنسان من آفاق واسعة، وأجواء رحبه تستوعب کل طموحه، وتتسع لتحقیق آماله، وتلبی حاجاته (المادیة، والروحیة ـ المعنویة ـ) ذلک أإن الإنسان میال بطبعه ـ الملکوتی ـ إلى الکمال ـ ومیال نحو الاستقامة والنظام ـ إذا نشأ على الفطرة السلیمة، وترعرع فی البیئة النظیفة.
    یقول حسین نصر فی کتابه ـ معرفت ومعنویت.
    الهدف من المعرفة القدسیة، الوحدة، والاستقامة... وقد خلق البشر لأجل هذا.( )
    ولقد رافقت الأدیان السماویة والتعالیم الإلهیة مسیرة البشر خطوة بخطوة: فلم تمضی علىتاریخ البشریة فترة لم تتخللها ظهور الرسالات والأدیان الإلهیة، التی تبث فی الإنسانیة هذه الروح القدسیة، وتعید البشریة على سکة التکامل وتجدد عهدها بالفطرة، وتذکرها بمنسی النعمة، «حسین نصر» یفوه إلى دور الأدیان السماویة فی مسیرة البشریة قائلاً... خلال آلاف السنین من تاریخ البشریة حینما کانت البشریة تعیش طبق العادات والسنن والتقالید، کانت هذه المعرفة بمثابة النور فی الساحة الباطنیة للأدیان المختلفة، ترافقها الوسائل التی تقتضی تحقیق هذا الهدف ویضیف حسین نصر قائلاً... .
    هکا معرفة لم تمتلک طریق للظهور لولا القدسیة الدینیة والمذهبیة.( )
    إذن فبالعودة إلى الدین، والارتماء فی حضن المعنویة القدسیة ـ والانتهال من معین العقائد الإلهیة الصافی هذه المعرفة القدسیة والتعالیم الروحیة ـ قد تمکن الإنسان من تلبیة حاجاته الروحیة والوجدانیة والعقلیة، بالإضافة إلى ما أتاحت له طبیعة المادیة من وسائل وقوى بدینة تعینه على خلافة الله على الأرض على الحمل وأتم وجه وتحقیق هدف الخلقة. وهو التکامل.
    یقول المرجع الشهید آیة الله العظمى محمد محم صادق الصدر:
    هناک مراتب علیا من الکمال الکونی یقصدها الکون بحرکته... ونحن بطبیعتنا المادیة لا نستطیع إدراک کنه تلک الحالة الکونیة الواقعیة تفاصلیها، ما دمنا محدودین بحدود زمنیة ومکانیة وفکریة لا مناص منها.( )
    ویشیر السید الشهید& إلى ان الحاجة إلى التکامل وشوق الإنسان للکمال وحنینه إلى الکامل المطلق هی حاجة فطریة لدى الإنسان. ولا یمکنه العیش بائزان فی الحیاة إلاّ عبر تأمین هذه الحاجة.
    فیقول...
    وباعتباران البشریة جزء خاص من الکون العام، منهما کذلک سائره نحو کمالها... وهی تسیر أیضاً طبقاً للقوانین الکونیة الخارجة عن إرادة الإنسان والعلة الغائیة من وجود الکون، وهی وصوله إلى الکمال.( )
    أهمیة العبادة ـ والتدین
    إن العودة إلى المعنویة، والإذعان إلى متطلبات الروح من خلال التدین والعبادة تؤمن لإنسان حاجات روحیة ثابتة فیه بالفطرة:
    ویلخص هذه الحاجات المرج الشهید السید محمد باقر الصدر بثلاث نقاط:
    1ـ الحاجة إلى الارتباط بالمطلق.
    2ـ الحاجة إلى الموضوعیة فی القصد وتجاوز الذات.
    3ـ الحاجة إلى الشعور الداخلی بالمسؤولیة کضمان للتنفیذ.( )
    1ـ الحاجة إلى الارتباط بالمطلق
    إن ارتباط الإنسان بالمطلق الحقیقی یضمن للإنسان وصوله إلى التکامل، ویسهل له حرکته فی التطور والخلاقیة والإبداع، لأنه بدون الارتباط بالمطلق ـ یعیش حالة الضیاع ویصبح تائهاً، ویسقط فی هاویة الإلحاد واللانتماء والجمود بمبادئ الروح والمعنویة.
    فیفقد الإنسان إنسانیة ویصیر بین أمرین.
    أما أن یکون عبداً للشهوات ویضفی علیها القدسیة فینطلق منها کقاعدة یبنی علیها أهدافه وسیرة حیاته، فیصبح فرسیة للغرائز الحیوانیة.
    أو أن یکون مجرداً عن العواطف والمشاعر ـ والمعنویة ـ ویصبح کالآلات. فینتفی قیمته فی الوجود ویفقد دوره فی الحیاة بانتفاء قرته على الإنتاج والإعطاء المادی، ذلک ان فی الإنسان حاجة ماسة إلى الارتباط بجمهه تدعمه روحیاً ومعنویا ًلیستمر فی مسیرته نحو البناء والتطور والإبداع.
    فإن لم یلبی هذه الحاجة عبر طریقها الصحیح بارتباطه بالمطلق الحقیقی الخالق التعالی ـ الله العظیم ـ فانه یلجأ لا إرادیاً ـ أو توماتیکیاً ـ إلى صنع مطلقات وهمیة یرجع إلیها فکریا ًوروحیاً وعاطفیاً.
    وقد سقط فی هذا المستنقع القرون الأولى من الماضین حیث أنهم بافتقادهم الارتباط بالله تعالى ـ المطلق الحقیقی ـ بسبب انحرافهم وجریهم وراء الشهوات اختل توازنهم واختلطت عندهم الأمور. فطفقوا یضعون لهم من أواههم إلهة من الحجر أو الخشب أو الطین، فیعکفون علهیا. ضانین أنهم بذلک یستطیعون إطفاء جمرة الحاجة إلى الارتباط بالمطلق المتقدة فی أرواحهم وضمائرهم.
    وبتطور الزمان تطورت هذه الوثنیة وتغیرت آلیة النحرفین عن الحق فی تأمین هذه الحاجة ـ الحاجة الروحیة والمعنویة ـ وظهرت وحالة جدیدة من الشرک وهی عباد الذات المادیة والتمحور حولها. وتجسیم الجانب المعنوی بالمصالح المادیة والاقتصادیة.
    وهذا بالضبط ما فعله المادیین المارکسین، الذین وان ادعوا الالحاد والکفر بالحقائق المعنویة، إلا أنهم عمدوا إلى صیاغة مثل ومبادئ معنویة وطرحها کشعارات ومبادئ أولیة لیقنعوا الناس باتباعهم والسیر فی منهاجهم.
    إذن فالحاجة إلى الارتباط الروحی والمعنوی بالمطلق هی حاة ضروریة لاستمرار الإنسان فی حیاة التطور والإبداع. ولا یمکن تلبیتها إلاّ من خلال التدین والعبادة لله الواحد القهار.
    ولا تظهر قیمة هذا الارتباط وهذا الإیمان إلاّ من خلال العبادة والتدین العملی المتمثل بسلوک الإنسان السوی وسعیه نحو البر والصلاح والأخلاق الحسنة.
    یقول السید الشهید محمد باقر الصدر&
    والعبادات هی التی تقوم بدور التعمیق لذلک الشعور ـ الإیمان بالمطلق الحقیقی، لأنها تعبیر عملی وتطبیق لغریزة الإیمان، وبها تنمو هذه الغریزة وتترسخ فی حیاة الإنسان.( )
    فیتجلى دور الإأیمان والتدین فی تلبیة الحاجتین الآخریتین للإنسان المتمثلین بـ (الحاجة إلى الموضوعیة فی القصد وتجاوز الذات، والحاجة إلى الشعور الداخلی بالمسؤولیة..) من خلال التطبیق العملی للإیمان ومن خلال المعنویة الأخلاقیة.
    أهمیة المعنویة الأخلاقیة
    إن التطبیق العملی لارتباط الإسان بالمطلق وإیمانه بالغیب، وإذعانه للحقائق المعنویة الدینیة. هو الضامن الوحید لسیر البشریة على النحو الصحیح لتحقیق إنسانیتها، والمترجم الواقعی لتفوق الإنسان وتمیزه من سائر الکائنات الطبیعیة علىوجه الأرض.
    [ومن هنا کان لابدّ للإیمان بالله والشعور العمیق بالتطلع نحو الغیب والانشداد إلى المطلق، لابدّ لذلک من توجیه یحدد طریقة اشباع هذا الشعور، ومن سلوک یعمقه ویرسخه على نحو یتناسب مع سائر المشاعر الأصلیة من الإنسان].( )
    فالعبادة العملیة هی تأکید على استمراریة هذا الارتباط بالله تعالى. وبها یسمو الإنسان على غرائزه الحیوانیة. ویخرج عن نطاق الذات ویتحرر من قیود الأنانیة. والعبادة والامتثال لأوامر السماء هی التجسید الحقیقی والتفسیر الأمثل للمعنویة الأخلاقیة.
    یقول العلامة المحقق آیة الله السبحانی:
    ... إن العقائد الدینیة تعد رصیداً للأصول الأخلاقیة. إذ التقید بالقیم ورعایتها لا ینفک عن مصائب وآلام یصعب على الإنسان تحملها إلاّ بعامل روحی یسهلها ویزیل صعوبتها له.( )
    وقد قبل: ان الأخلاق بلا دین عبث.
    حیث ان کل النظریات التی بنت الأخلاق الإنسانیة على أسس غریزیة أو مادیة أو غیر دینیة قد أثبتت فشملها فی تفسیر وتعریف الأخلاق. وقد اتضحت خیبتها فی مجال الرقی بالإنسان عملیاً وعلى أرض الواقع.
    [فالطبیعة الحیوانیة للإنسان لا تسعى وراء الخیرات المعنویة، بل الساعی إلهیا حثیثاً هی الحقیقة الملکوتیة].( )
    الأخلاق من مقولة العبادة
    إن شعور الإنسان بالمسؤولیة الأخلاقیة واللتزامه بتحقیق هذه المسؤولیة وقیامه بها علىالوجه الصحیح لا یمکن ضبطه بالمراقبة من الخارج عبر قوانین وضعیة وعرفیة.
    ولم تنجح أی إجراءات خارجیة وقوانین أرضیة فی ضمان التزام الإنسان الودانی بالمبادئ الأخلاقیة.
    فالرابط الوحید للجوانب الروحیة بالأخلاق هو الدین والإیمان بالله. وعلى مدى التاریخ البشری لم تفلح القوانین البشریة ولا الالتزامات بالأدیان الأرضیة فی تحقیق السعادة للمجتمع البشری ککل.
    [وإنما الرقابة الوحیدة الممکنة فی هذا المجال هی الرقابة الناتجة عن الارتباط بالمطلق، بالغیب الذی لا یعزب عن علمه شیء، والضمان الوحید الممکن وهذا الصعید هو الشعور الداخلی بالمسؤولیة].( )
    ذلک ان مفاهیم الروح کالجمال والمال والسعادة ـ وغیرها هی مفاهیم مطلقة لا محدودة. فلا یمکن للإنسان المحدود بحدود المادة والمقید بقیود الغرائز والانتماءات الأرضیة أن یرسم ملامح هذه المبادئ والمفاهیم.
    ولا یمکن لنظریاته أن تحدد حقوق الأإنسان وتعین حدود الفضلیة وتمیزها تمییزاً دقیقاً وواقعیاً عن سائر الأخلاق والأفعال الإنسانیة الأخرى.
    [إن الحقوق التی تعطیها المؤسسات الوضعیة الواقوانین الأرضیة لیس من العسیر إذکارها].( )
    فلا یمکن اعتماد نظریات المشرع الأرضی والسیر وفق منهاجه لأنه محکوم ـ بطبعة الحال ـ بالتزامات اجتماعیة وعرفیة تحتم علیه تقدیم مصالح الطائفة أو المجتمع أو الدولة على مصالح المجتمعات والطوائف والدول الأخرى. لذلک فإن:
    [مسألة الأخلاق، وشرف الإنسان، وکرامته، لا یمکن توجیهها وتفسیرها وتأییدها إلاّ فی ظل نظریة (عبادته تعالى) وأما النظریات الأخرى فکلها عاجزة عن ذلک].( )
    وقد لمست البشریة زیف الادعاءات القائلة بـ (إن الدین أفیون الشعوب)، و (إن الدین إنما أنشأته الطبقات المرفهة لتستعید به الطبقات الفقیرة وتسحقها من خلال شعارات الدین..).( )
    وذاقت الإنسانیة الویلات من مبادئ المذهب المارکسی المادی الذی جعل من الاقتصاد والمصالح المادیة محوراً تدور حوله أفعال الإنسان وأساساً یبنی علیه سلوکه وأخلاقیاته.
    ففی نظر المذهب الشیوعی لا أصالة للمبادئ والقیم الأخلاقیة من جانب الروح والمعنویات وإنما الأصالة بنظرهم هی للمصالح المادیة والاقتصاد.
    [فی المذهب الشیوعی الأسرة ولیدة الوضع الاقتصادی، ولا أصالة للأسرة فی نظرهم، لأن المرأة تعتمد على الرجل فی أمر معاشها، وهذا الامر یدعوها ـ بحسب ادعائهم ـ ان تکون منحصرة برزوجها].( )
    فأتت الأفکار الشیوعیة المادیة ـ المارکسیة ـ على أشرف وأقدس المبادئ المعنویة والعاطفیة فی الحیاة ونسفتها من الأساس. وجعلت من الإنسان اله وعواطفه وسائل لتحصیل المنافع المادیة ویخسر قیمته مع تقدسه بالعمر وعجزه أو توقفه عن الإنتاج.
    وقد أثبت التاریخ فشل هذه النظریة المادیة إذ أنها لم تصمد طویلاً أمام النزعات الروحانیة والتجلیات العقلیة للحیاة المعنویة من وجود الإنسان [إن النواحی الروحانیة والأخلاقیة من حیاة الإنسان وما ینبغی أن یفعله لها أهمیة بالغة بالنسبة لسلامة الإنسان ورفاهیته، وهی أهمیة تفوق أهمیة معرفة الإنسان للطبیعة وسیطرته علیها.
    فأحاطتنا بالعلوم الطبیعة تساعدنا فی فخمنا للعام وإیجاد طرق ووسائل جدیدة فی تحسین الإنتاج وتوزیع الضروریات... مع ذلک فان المشلکة العظمى فی العالم فی الوقت الحاضر تعد مشکلة أخلاقیة ودینیة فهی تدور حول معرفة کیف نستخد الطاقة الذریة لتحقیق صالح البشر ورفاهیتهم لا لکی تنزل الدمار بهم].( )
    فصالح الإنسان إنما یحدده خالق الإنسان ولا یمکن لأی قانون أن یضمن للإنسانیة سعاتها وتکاملها إلاّ قانون السماء الذی یشرعه الخالق العظیم عبر الأدیان والرسالات الإلهیة.
    [لیس للإنسان الحق فی أن یدعی أن له قیمة داخلیة أو کرامة أو حقوق أو واجبات مطلقة أو مسؤولیات، إلاّ بوصفه مخلوقاً من مخلوقات الله].( )
    فیخضع لقانون الإله ویسیر وفق نهجه ویاتمر بأوامره ویتحلى بالأخلاق الرسالیة التی جاءت بها الأدیان السماویة. وإلاّ فانه بتمرده على قوانین السماء التی أرسهلا الإله عبر الأیان السماویة المختلفة فاغنه لاقى وسیلاقی العواقب الوخیمة وسوء المصیر.
    [الأحزان والأمراض والکوارث التاریخیة تثبت لنا أن الأخلاق والعدالة والرحمة والحربة، قد تفقد معانیها، وتؤدی إلى حیاة ذلیلة خسیسة، ما لم تکن متصلة بإیمان عملی...].( )
    فلا بقاء ولا حقیقة ولا استمرار لمبادئ أخلاقیة راقیة قد بُنیت على أساس مصلحی أو مادی یتحرک بأفق المادیة والأنانیة الضیقة.
    [إن الأخلاق ذات جذر وجدانی، فقلب الإنسان یعرف ربه ویدرک وجوده بحسب الفطرة، وانه یلهم ما یرضی الله وما یسخطه بل ویحب ما یرضی الله ویکره ما یغضبه، فهذه الإلهامات الوجدانیة ناشئة من معرفة الله سبحانه ولیست منفصلة عنها...( )
    ... وإن الأخلاق الحقیقیة هی من مقولة العبادة إذ إن الإنسان الملتم یتبع سلسلة من التعالیم الإلهیة بقدر ما یعبد الله بطریقة اللاشعور ومتى ما ترجم عبادته من حالة اللاشعوریة إلى الشعوریة، فستصبح کل أعماله وسلوکه حینئذٍ ذات طابع أخلاقی.( )

    الفصل الرابع - تعامل الإنسان مع الحقیقة المعنویة
    لقد تفاوتت الرؤیة الإنسانیة للحقائق المعنویة بعد ابتعاد الإنسان والحضارات الإنسانیة عن مصدر التشریع الحقیقی ـ الرسالات السماویة الحقة ـ وقیام أصحابها ـ من اتباع الدیانتین ـ الیهودیة، المسیحیة ـ وغیرهما من الدیانات. بتحریف کتبهم السماویة وتزویر الحقائق فیها. فأحدثوا البدع وشوهوا الحقائق واستبدلوا الأحکام الإلهیة بأحکام مزورة استحدثوها وفقاً لما علیه رغباتهم وأهوائهم.
    فتفاوتت البشریة ـ تبعاً لذلک فی تلقی الحقائق المعنویة، وتعریف الأخلاق، والفضائل. وظهرت المدارس والأذکار والمذاهب.
    فما بین المبالغة فی اعتما المعنویة والروحیة وما بین الاجحاف بحق الروح والتفریط بالحقائق المعنویة حد الإنکار والالحاد، ظهرت مدارس وفرق ومذاهب کل یفسر الحقائق ویعرف الفضائل حسب رأیه وهواه.
    الفئة الأولى بـ «المعنویة المفرطة»
    لقد تواترت على البشریة أفکار ومذاهب أجحفت بحق المادیة وأنکرت دور الجس واعتمدت الروح والمعنویة فی تفسیر کل الظواهر الحیاتیة وعطلت دور القدرات والاستعدادات الإنسانیة الأخرى من حس وعقل. واعتمدت الروح والوجدان فقط.
    1ـ وأبرز هذه الأفکار وأقدمها ـ النظریة المثالیة ـ لصاحبها الفیلسوف الیونانی القدیم ـ أفلاطون ـ الذی ألغى قوى الإنسان الحسیة ولاعقلیة وادعى بأن لا حقیقة للعلم والتعلم من هذه الدنیا ـ فبنظرة أن الروح کانت من عالم أسمى من هذا العالم وقد استلهمت، وتلقت العلوم من ذلک العالم وان ما یحدث من هذه الدنیا من علوم أما هو إلاّ عملیة تذکر لما تعلمته الروح قبلت حلولها فی الجسد.( )
    2ـ الرهبانیة المسیحیة - حیث اتباع أتباع الدیانة المسیحیة من بعد النبی عیسى× طریقة عمدوا بها إلى تعطیل الدور المادی ـ الطبیعی للإنسان ـ فی مجالی الغرائز الجسدیة، والعلوم الطبیعیة ودور العقل فی الاستنتاج والاستنباط والبحث والتجربة.
    فعزلوا الروح عن الجسد. والدین عن الدنیا واتخذوا الصوامع واعتزلوا الشهوات واللذائذ. وعزفوا عن الزواج.
    وأعلنوا الحرب على العلم والعلماء، وینقل عن الکنیسة سلکاً عینفاً مع اتباع العلوم الطبیعیة. فیروى من هذا المجال:
    [إن الدیوان الکنیسی شکل عائقاً کبیراً فی طریق تطور العلوم، وأحرق الطلبة وأحرقوا المکتبة المعروفة (اللاتین)، کما وأعدمت الکنیسة عشرات الآلاف من العلماء الطبیعین].( )
    وکان اتباع الدیانة المسیحیة بشکل عام، یعتبرون ان العلوم والدین قوتان متعارضتان وأنهما لا یمکن أن یجتمعا فی قلب رجل واحد.( )
    حتى أخذوا یخشون على من یدرس العلوم، الکفر والإلحاد. لسوء نظرهم وخطأ تقدیرهم.
    3 ـ الصوفیون ـ فی الإسلام ـ لقد ظهرت جماعة فی المجتمعات الإسلامیة حجر أصحابها الدنیا وتنکروا للجحسد وأهملوا الرغبالت والغرائز الجسدیة. وأجحفوا بحق الجسم. وعزفوا عن الدنیا وهجروها وسکنوا الصوامع واتخذوا لباساً وزیاً خاصاً واعتمدوا هیئة وسلوک خاص یمیزهم عن سائر أفراد مجتمعاتهم.
    4 ـ المعنویون وأبرزهم ـ شوبنهاور: ویعتقد هؤلاء ان لا وجود للجوهر المادی وما الأجسام فی الحقیقة إلاّ تصورات ذهنیة. ومن ضمن معتقداتهم.
    انهم یعقتدون ان الخیر المطلق والحق، هما الشفقة على الموجودات. والشفقة عندهم فی الحقیقة هی العدالة، وهی أساس الأخلاق.( )
    5 ـ البوذیون - وهم أتباع دیانة بوذا الذی مات فی القرن الرابع قبل المیلاد، اتسمت دیانتهم فی الافراط فی اعتماد المعنویات، والاجحاف بحق الجسد والمشاعر والعواطف الإنسانیة فقد اعتمد کبیرهم ـ بوذا ـ مذهب الروحیات ـ ویقال انه وصل إلى الاشراق.
    وبعد مرور مائتین عام على وفاة بوذا أصبحت البوذیة مقسمه إلى ثمانیة عر نوع من البوذیة بعد التعدیلاة والاضافات.
    وانتشرت هذه الدیانة ـ البوذیة ـ فی الیابان منذ عام (522 م) من الشهر مبادئ بوذا لا تدع أحداً یقتل موجوداً حیاً، لا تدع أحداً یأخذ ما لم یعط له.
    کما وان السمة البارزة لهذه الدیانة الخضوع للظالم والخنوع أمام السلطات المتجبرة فسمحخوا بانتشارها وأقبلوا على تکریسها فی المجتمعات الشرقیة، إذ أنها تتماشا مع حاجة السیاسیین والحکام.( )
    کما وإن هنالک أدیان ومدارس متعددة تناولت الأخلاقیات والمعنویة بنوع من الإفراط وبالغت فی تقدیس الروح، فضلوا وتاهوا عن جادة الصواب، کدیانة الودا والیوغا ـ حیث اعتمدت ـ الأخیرة ـ قلب جمیع القیم الإنسانیة فی المجتمع البشری الکبیر.( )
    الفئة الثانیة - الفئة المادیة والحسیة والمفرِّطة
    لقد قابل إفراط الفتات الماضیة ـ فی أعقاد المعنویة والتنکر للجسد والمادة، ظهور فتات. واجهت هذا الافراط، بتفریط أقسى واتسم بالدة والاجحاف بحق الروح والوجدان. حیث أنکر جماعة الحقائق المعنویة فی حیاة الإنسان وکیانه ووجوده وفصلوا الدین عن الحیاة بشکل عام وعن الأخلاق بشکل خصاص، واعتمدوا فی آیدیولوجیاتهم على عدة مبادئ منها:
    المدرکات الحسیة، الاستنتاجات العقلیة والاجتهادات الشخصیة، الفائدة المادیة، أو الغرائز البدینة والحیوانیة.
    فلقد ظهر فی القرن الثامن عشر التوجه إلى العقل والقوانین الطبیعیة من قبل العلماء والمفکرین الغربیین.
    وفی القرن التاسع عشر، ظهر مجتمع باسم (اتباع أصالة الفائدة)، تحت اشراف شخص یدعى (جان استوارت میل)، وقد قارن ظهور هذا المجتمع ظهور المذهب التحقیقی (الفلسفة التحقیقیة) الذی اقترحه (اوغست کنت) ... فسادت فی الغرب أفکار أهدافها قطع العلاقات التی تربط الأخلاق بالدین والإیمان بالله والیوم الآخر. خلال القرنین الثامن عشر والتاسع عشر المیلادی.
    فظهرت جمعیة أمریکیة تبنت هذه الأهداف، وأصدرت اتفاقیة متبنیة على استقلال الأخلاق، وانفصالها عن الدین.( )
    وقد کسرت هذه الأفکار عدة مدارس وحرکات فی العالم وترکت صداها الواسع لفترات زمنیة ومساحات جغرافیة کبیرة.
    1 ـ المارکسیة «الشیوعیة»
    لقد تلقفت المارکسیة النظریة الحسیة فی تعریف المدرکات الإنسانیة التی ابتدعها الفیلسوف الإنجلیزی (جون لوک).
    ... تمشیاً مع رأیها فی الشعور البشری، والذی تدعی انه لیس إلاّ انعکاس للواقع المادی عن طریق الحس، وان کل ما یخرج عن حدود الانعکاسات الحسیة بنظرهم، لا یمکن أن یتعلق به الإدرا أو الفکر. وقد بنوا فکرهم المفرِّط بالروح والجوانب المعنویة فی الوجو على مثل هذه الآراء والنظریات.
    یقول انجلز: (إن شعورنا وفکرنا مهما ظهرا لنا مقالیین لیسا سوى نتاج عضوی مادی حسی هو الدماغ).( )
    وتتلخص مبادئ المادیة ـ الشیوعیة فی جعل التجربة والمادة محوراً لتطور الإنسان الإنسان العلمی والعملی، والغاء کل ما لا یمکن إدراکه بالحواس الخمسة وإدراکه بالتجربة المادیة. وأنکروا الغایة والهدف والکمالی فی محاولة منهم لسد الفجوة العمیقة التی أحدثتها أفکارهم المنحرفة هذه فی فهم الحقیقة، والجوهر الإنسانی.
    وقد حددوا الأخلاق بأهداف مادیة واقتصادیة وافرغوها من محتواها. وعمدوا إلى تحلیل السلوک الروحانی والمعنوی غلى جذور المصلحة الجسدیة والاقتصادیة المحسوسة. وجعلوا من النفعة الشخصیة أساساً لانطلاق الأفعال الإنسانیة وقاعدة لتبلور السولک وجردوا الأخلاق م قیمها الذاتیة والمعنویة، وسلبوا منها بعدها والوجدانی... .
    فحتى الأسرة والروابط العائلیة بظرهم متبنیة على أساسات المصلحة المادیة (ومن نظرهم ان الأسرة ولیدة الوضع الاقتصادی ولا أصالة معنویة لها).( )
    ومن أشهر مبادئهم:
    (إن جمیع النهضات والثورات والتحولات اللااجتماعیة والفردیة انما سببها وجذرها الاقتصاد).( )
    ... وقد انتشرت هذه الأفکار والمبادئ فی الغرب واجتاحت المجتمعات المسیحیة ووصلت إلى المجتمعات الشرقیة بسبب الفهم الخاص للدین والمعنویات، وسبب سوء استغلال المتدینین للمبادئ الروحیة والمعنویة.
    فذاقت البشریة الویلات من هذا المذهب وهذا الاتجاه المادی بسبب التناقض الحاد بین مبادئها وبین حاجات الإنسان الروحیة والمعنویة.
    یقول أستاذ العلوم الطبیعیة الدکتور ایرفنج ولیام نوبلوتشی فی مقالة کتبها تحت عنوان ـ المادیة وحدها لا تکفی ـ. [... وقد أخذ هؤلاء یفسرون الظواهر کحیویة المختلفة الواحدة تلو الأخرى تفسیرات تقوم على إدراک السبب والنتیجة. والوجود من وجهة نظرهم لا یستهدف غایة.
    ... ویلخص بیرتراند راسل هذه النظریة المادیة المتطرفة فیقول:
    «یلیس وراء نشأة الإنسان غایة أو تدبیر. إن نشأته وحیاته وآماله ومخاوفه وعواطفه وعقائده، لیست إلاّ ینتجه لاجتما ذرات جسمه عن طرق المصادفة»].( )
    ... وبهذا أنکر المادیون الجانب الوجدانی من الإنسان وأفرغوا الأخلاق والفضائل من محتواها المعنوی وجعلوا من الإنسان آلة تنتفی قیتها مع انتفاء الحاجة المادیة لها. ولإمکان للعواطف الإنسانیة والأخلاق والفضائل الوجدانیة بین هؤلاء.
    فحاولوا رفع نواقص الجسم والنفس بالاستعانة باملعادلات والقوانین الطبیعیة لغرورهم ولتنفرهم من الدین وتمللهم من الأخلاق والفضائل، وزعموا أن الاقتصاد وحده الکفیل بحل کل المشاکل ولا حاجة للوجدان والدین والمعنویات...
    إلى أن أوصولا الدنیا والمجتمعات البشریة إلى حافة الهاویة. فهذا هو المفکر الغربی المشهور (ماکس بلانک) وهو من عایشوا افرازات هذه النظریة المادیة المتطرفة وهو یقول:
    (إننا نعیش فی لحظة عجیبة من التاریخ. فکما یبدو أننا قد وصلنا إلى نقطة انعطاف متأزمة فی کل فرع من فروع تمدنا المادیة والمعنویة].( )
    وما هذا التأزم فی الحضارة الحدیثة إلاّ نتیجة لانجرافها وراء هذه النظریات التی تسلب من الإنسان إنسانیته.. ذلک ان مبادئ هذه النظرة المایة تنص على ان الإنسان ما هو إلاّ مجموعة ذرات لا قیمة لها، إذ لیس له مبدأ ولا مصدر.
    [ویوقل (رایستیب وابیقدر):؛ مبدأ ألا بیقوریون، ان الإنسان حر وغیر ملتزم ولا متکثر].( )
    والابیقورون هؤلاء ینص مذهبهم على تحر الإنسان من کل القیم المعنویة والالتزامات الدینیة والأخلاقیة.
    2 ـ اتباع مذهب اللذة والغرائزة الجسدیة
    لقد قابل تلک الفئة المادیة التی قدست الجانب الاقتصای من حیاة الإنسان وأغفلت العواطف والغرائز والوجدان، فئة منحرفة أخرى قد جعلت من النفس البشریة محوراً تدور فی فلکه کل أفعال الإنسان وسلوکیاته وجعلت من الغرائز والشهوات منطلقاً تنطلق منه کل حرکات الإنسان الفردیة والاجتماعیة، یقول فروید: [إن جمیع النهضات الثورات والتحولات الاجتماعیة والفردیة سببها الغریزة الجنسیة].( )
    فقد عدَّ هؤلاء ـ عباد الغرائز والشهوات ـ المنافع الغریزیة مرجعاً فی تحلیل الأخلاق وتعلیل الفضائل [وهم یروون ان کل ما یطرب ویبعث على النشاط هو خیر سواء کانت تلک اللذة روحانیة أو شهوانیة جسدیة].( )
    فعبدوا الجسد وقدسوا جمال المظاهر وأفرطوا فی الجرى وراء الغرائز وهذا بالضبط ما نراه ونلمسه فی الغرب الیوم وا جلبته العولمة الصهیونیة لمجتمعاتنا الشرقیة. فأصبح شبابنا وفتیاتنا تقلد الغرب تقلیداً أعمى فی تقدیس الجسد والمظاهر عن جهل وغفلة تأمین وغدم وعی بحقیقة هذا المذهب الی خطة فروید ـ عالم النفس السویدی ذی الجذور الیهودیة ـ والذی شقت أفکاره طریقها فی المجمع الغربی ووجدت صداها بین أوساط الغربین نتیجة لما عانوه من کبت للغرائز وأعمال للجسد وتنکر للمادیات من جانب الکنیسة ورهبانها فوجدوا فی عقائد فروید متنفساً یعبرون به عن ذواتهم ویسدون به الفراغ الذی أحدثه افراط الکنیة فی الجانب الروحی والمعنوی.. واهمالها للجوانب الغریزیة والمادیة.
    [فعد عباد الشهوة ((فروید)) بطلاً بسبب الکتب الذی عانوه بسبب الملاحظات الدینیة والأخلاقیة.. وبسبب آراء فروید هذا تسافلت القیم الأخلاقیة ـ وبمساعدة مخلفات الحرب الغربیة الأولى].( )
    [حتى عدت مجلة (Look) الأمریکیة فروید من بناة القرن العشرین].( )
    ذلک لما لاقت أذکاره من رواج وشهرة فصارت أساس من الأساسیات التی قامت علیه الحضارة الحدیثة.
    وبهذا یثبت الیهود أثرهم فی انحراف البشریة وانحلال الدنیا عبر ولدهم «فروید» الذی یلخص الضمیر والوجدان الإنسانی بأنه المنافع البشریة لا غیر. وان حقیقة وهدف الإنسان انما سعیه وراء اللذة والشهوات والغرائز..
    فقد ترک هذا المذهب الخطیر والمنحرف إثارة على المجتمع الغربی بوضوح، فدب الوهن والضعف الأخلاقی فی هذه المجتمعات وسُلبت إنسانیة الفرد منه مما حدى بالرئیس الأمریکی کندی والذی قُتل فی منتصف القرن الماضی ان یقول:
    [ان جیل الشباب الأوربی والأمریکی منهمکون بالتلذذ والهوى والهوس.. لیس أهم فی میدان الحرب ثبات وصعود، ویفقد کل من سبعة جنود ستة جنود معنویاتهم بسبب الجری وراء الشهوات ـ ویضف کندی ـ... ومن هذا المنطلق ادعوا عامة المفکری والمثقفین ومصلحی المجتع أن یبحثوا عن طریق لمعالجة هذا الخطر الکبیر الذی یهدد البشریة].( )
    ولم یکتفی الإنسان العصری فی الغرب هذا القدر من الجری وراء الشهوات، حتى وصل به الأمر إلى الشذوذ والمناداة بمبادئ الشذوذ والانحراف علناً بتصاریح ومواقف نترفع بقلمنا عن ذکرها.
    واننا لنرى آثار هذا المذهب جلیة من کل مفاصل الحیاة فی الحضارة الجدیدة إذ ان الجانب الغرائزی یصرح عن نفسه فی کل مالات الحیاة حتى صار الأداة الأبرز فی الترویج الاعلامی والثقافی والاقتصادی عبر الفضائیات والقنوات الاعلامیة الأخرى.
    والانکى من ذلک هو ان عباد الشهوة واللذة هؤلاء قد صنعوا لأنفسهم فلسفة وثقافات وهم على قناعة تامة بما یفعلون ومستعدین للنقاش متذرعین بحجج ومبادئ زائفة ومغالطات لا أساس لها من الصحة لا عقلاً ول شرعاً.
    فمن أبرز مبادئهم: ان الهدف الأساس من الخیر المطلق هو اللذة والراحة...].( )
    کما یرى فروید ان صفات الإنسان العلیا عبارة عن ردة فعل للرغبات المختلفة].( )
    ومن مبادئهم یتجلى مدى زین ادعائهم ورهن مذهبهم ورکاکة أسسهم وقواعدهم.
    3 ـ اتباع الفلسفة التحقیقیة
    وقد مثل أصحاب هذا النهج الفلسفی خطاً آخراً لمنکری المعنویة والجوانب الغیبیة فی الوجود وسلوا مسلکاً جدیداً فی هذا المضمار.
    إذ حاول هؤلاء اعقاد نظریات فلسفیة تصوغها عقولهم لتعریف المبادئ الأخلاقیة وتحلیل النزعة المعنویة والحقیقة الروحیة للإنسان فجعلوا من المعقولات قواعد لیبنوا علهیا الجوانب المعنویة فی الحیاة تمشیاً مع آرائهم وإذکارهم المحدودة بحدود العادة والأفق الضیق.
    فاتخذ کل واحد منم لأجل تفسیر الأخلاق والفضائل، فرعاً من فروع الاخلاق على انه أصل ومرجع صالح. وکل منهم لا یقبل برأی الآخر أبداً.( )
    مستندین بذلک إلى قاعدة المعقولات والمشهورات، والمقبولات فی عرفهم ومجتمعاتهم. وحاولوا تمریرها إلى أرجاء العالم واخضاع الشعوب الختلفة لها. انطلاقاً من شعورهم بأن مبادئهم هی الأشمل والأکمل.
    یقول کوستاولوبون:
    إن من الخطأ الکبیر أن نجعل الحجر الأساس للأخلاق (قاعدة المعقولات) ولا یمکن أن یتدارک کل ذلک، لأن الأخلاق إذا لم یکن لها دعامة دینیة فلن تکون ثابتة أبداً.( )
    فاعتمد أصحاب هذا المذهب على الخبرات والتجارب الشخصیة فی بناء الوقاعد الأخلاقیة المهمة والرئیسیة فی حایة الأفراد والمجتمع.
    ... إذ أنهم یعتقدون بأن الأصول العلمیة، والتجارب الاجتماعیة، بامکانها أن تکون وسیلة للتمییز بین الخیر والشر.( )
    فاعتمدوا فی ترعیف الأخلاق والتمییز بین الخیر والشر على المنافع المادیة، والعقل النظری.. وأحدثوا بذلک الفوضى والنزاعات ف یالعالم.
    إذ أنهم مسوغوا للظلم والطغیان بان صاغوا لأنفسهم مبادئ أخلاقیة تتماشى ومنافعهم الشخصیة والمصالح الفئویة وأضفوا علهیا حالة من القدسیة. کی یقنعوا أنفسهم وشعوبهم بأنهم علىحق وکل من خالفهم على بال. فسیدلون لأنفسهم تدمیر الآخرین.
    وقد حفل التاریخ بهکذا نماذج اتخذ وأمن مبادئ أخلاقیة جمیلة أدوات لتبریر طغیانهم وتمریر اطماعهم التوسعیة.
    ولیس بعیداً عنا هتلر الذی خاض أشرس الحروب ودمر الإنسانیة فی الغرب متذرعاً بذرائع منها انه بصدد تحریر الجنس الأشقر وتوحیدهم تحت مظلة واحدة وادعى انه یرید الخیر والصلاح ـ بحسب عرفه ورأیه.
    ومن ثم اتبعته قوى الغرب والدولة الأمریکیة المعاصرة فی نفس هذا النهج العنصری البغیض فعمدوا إلى صیاغة مبادئ منحرفة وأضغوا علیها صبغة المعنویة فاستحدثوا دولة الصهاینة متذرعین بأنهم یریدون تشیید دولة دینیة ـ معنویة ـ فی أرض المیعاد.
    فأدخلوا البشریة فی دوامة من التضاد والتناقضات الرهیبة، فدمروا البدلان واستحلوا الحرمات بدعوى الحرب على الإرهاب، وأقنعوا شعوبهم بانهم بصدد تحقیق الحریة والدیقراطیة، وهی أهداف ظاهرها یؤدی إلى الجوانب الأخلاقیة.
    وهکذا فإن اتباع هذه المذاهب قد صنع کل واحد منهم وکل جماعة قاعدة تتکأ على أرضیة معینة من الأفکار والفلسفات تضمن لهم توجهاتهم وطموحاتهم. فهذا أحدهم وهو (جان استوارت): إذ یرى ان المصالح الاجتماعیة هی وسیلة التمییز بین الخیر والشر، وأساس الأخلاق.( )
    ولم یعین أی المجتمعات یعنی، وأی المصالح یرید أهی المجتمعات العلمانیة ومصالحها الدنیویة المتحررة. أم هی المجتمعات الالحادیة الشیوعیة ومصالحها المادیة الاقتصادیة، أم هی المجتمعات الدینیة ومصالحها المعنویة والروحیة...؟
    إن الذی یضنع من المصالح الفئویة القائمة على المعقولات والمشهورات أساساً للأخلاق. یوجد فوضى بین هذه الفتات والمجتمعات المختلفة.
    فصحح إن للعقل مقدرة وانه قوّة هائلة واستعداد جبار. لکنه لن یتمکن من تعیین وتأمین... .
    المصالح العامة للمجتمعات والأذواق المتفاوتة والمتناقضة.
    إن الطاقة العقلیة، مصباح هدایة تمییز بین الإنسان والحیوان، لکنه متأثر بالآداب والعادات والتقالید الحیاتیة والعصبیة، والهوى والنزاعات النفسیة.
    ... لذلک ینبغی وود عامل خارج وجود الإنسان یرشده. ولیس أولى من الدین فی ذلک.( )
    یقول المرجع الدینی محمد محمد صادق الصدر&
    ومن المتعذر بل المستحیل ان نجد فرداً أو جماعة فی الفکر القانونی البشری ذا تجرد کامل وحقیقی.( )
    ولن یستطیع أی قانون بشری أن یتابع الفرد فی خلواته وزوایاه لیضمن التطبی الکامل لفقراته وبنوده من کل وقت. ویستحیل على الدولة بکل همینتها وهیبتها ومؤسساتها أن تضمن ذلک.
    ولئن ضمنته، فلن تستطیع ذلک دائماً... ولئن استطاعته دائماً، فی فرد أو جماعة معینة، فلن نستطیع فی کل شعب.( )
    إذن فالحاکم المطاع الوحید والمهیمن على القلوب هو ذلک المسیطر على الروح والوجدان والمنبثق من الجونانب الروحیة والحیاة المعنویة للإنسان وهو الدین والارتباط بالمطلق. وکما یقول الأستاذ الشهید الشیخ مرتضى المطهری.
    «وکلما کان الإنسان بنفسه أعرف وبروحه ألصق، کانت سجایاه أحمد، وأخلاقه أعرف».( )
    فمصدر الصلاح والأخلاق الحسنة هو نابع من الحقیقة المعنویة والوجدان ولا توجد قوة فی العالم تستطیع أن تحل دکان المعنویات فی وجود البشر وصلاحه.

    • فایل مقاله : دانلود فايل
    • <#f:7352/> : <#f:7353/>
    • <#f:9774/> : <#f:9775/>
    • <#f:9776/> : <#f:9777/>